مقالات

النور مساعد يكتب : “حين انكشفت الأقنعة: كيف أعادت الحرب رسم خريطة الولاءات وكشفت أزمة الوعي الوطني في السودان

لم تكن الحرب السودانية مجرد صراع مسلح أو معركة نفوذ بين قوى تبحث عن السيطرة؛ بل كانت ــ في عمقها ــ اختبارًا حقيقيًا لمدى إيمان السودانيين بوطنهم قبل إيمانهم بأنفسهم. فقد كشفت هذه الحرب الطويلة عن طبقات عميقة من التناقضات، وفضحت نوايا كثيرين ممن ارتبطت مصالحهم الشخصية بمستقبل السودان، حتى تحوّل الوطن بالنسبة لهم إلى مجرد منصة للمكاسب أو بوابة للنفوذ.

على مدى عقود، ظلّ السودان أسيرًا لجماعات وأفراد ينظرون إليه من زاوية ضيّقة، لا تتجاوز حدود مصالحهم الخاصة. هذا النمط من التفكير حوّل الدولة إلى ساحة صراع بين طامحين للسلطة وطامعين في الثروة، فجاءت الحرب الأخيرة لتكشف الحجم الحقيقي لهذا الخلل، ولتُظهر بوضوح من يقاتل من أجل الوطن، ومن يسعى لاستغلال لحظة الألم لصناعة مجده الشخصي.

لقد سقطت الأقنعة سريعًا، وظهرت شبكات التجنيد والتخابر والتجسس والانحياز للعدو، وكشفت الأحداث عن مدى هشاشة الانتماء الوطني لدى بعض الفاعلين، الذين وجدوا في الفوضى فرصة لتوسيع نفوذهم أو للعودة إلى المشهد العام على حساب معاناة البشر ودمار المدن وتشريد الملايين.

الحرب لم تُعرِّهم أمام الناس فقط؛ بل كشفتهم أمام التاريخ. فالأمم تُبنى بالثبات على المبدأ، وبالولاء للأرض والشعب، لا بالتماهي مع القوى الخارجية ولا باستثمار الجراح لتحقيق مكاسب سياسية.

ومع ذلك، يحلم بعضهم اليوم بالسلطة، ويتوهمون أنهم قادرون على إدارة بلد كبير مثل السودان، رغم أنهم كانوا سببًا مباشرًا في تعثره. يتحدثون عن الوطنية، وهم أول من مزّق نسيجها. ويتغنون بالانتماء، وهم الذين ساهموا في خلق واقع من التبعية والارتهان للخارج.

إن المأساة الحقيقية ليست فقط في الحرب التي نشاهد آثارها كل يوم، بل في العقلية التي تنتج مثل هذه الحروب، عقلية ترى السودان مجرد غنيمة، لا مشروع دولة.

لقد آن الأوان لوعي جماعي جديد، يعيد تعريف الوطنية بعيدًا عن الشعارات والادعاءات. وطنٌ تبنيه سواعد أبنائه الصادقين، لا أصحاب المصالح المؤقتة، ولا المتخابرين، ولا أولئك الذين يختبئون خلف ستار المبادرات المزيفة.

السودان يستحق مشروعًا وطنيًا كبيرًا، يبدأ من مكاشفة الذات، وينتهي بتحرير الدولة من قبضة الطامحين للسلطة بلا رؤية، والمستفيدين من الفوضى بلا خجل. فالمستقبل لا يُكتب بالأمنيات، بل بالوعي، والإرادة، ورفض تكرار أخطاء الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى