مقالات

الشيخ الأمين عمر الأمين يكتب (حين لا تخضع للابتزاز، يبدأ اغتيال الشخصية)

_الحمد لله والشكر لله الذي اختارنا لخدمة المواطنين، وخاصة البسطاء والغلابى، حتى غلب علينا لقب أبوالغلابه، وهو لقب أعتز به وأعده تكليفًا قبل أن يكون تشريفًا؛ لأنه واجب تجاه هذا الوطن الذي أكلنا من ترابه وانتسبنا إليه، ومن باب رد الجميل لأهله الذين هم عماد البلاد وروحها الحية.

_ولم تكن هذه الخدمة في ظروف عادية أو أجواء مستقرة، بل جاءت في زمن اشتد فيه البلاء وتعاظمت فيه المحن تحت أزيز الطيران، والدانات والهاونات، ورصاص طائش، ودماء تسيل، وخوف يسكن القلوب ومناظر مرعبه.
_ ومع ذلك كان الجميع شاهدًا، وقد حبانا الله بثبات عجيب وقوة صبر جعلتنا نقف وسط النار لا طلبآ لذكر ولا سمعة، وإنما أداء لواجب نراه دينًا قبل أن يكون عملاً إنسانيًا، لأن خدمة الناس عند الشدائد هي الامتحان الحقيقي للنية والصدق.

_وفي أزمنة الأزمات يظهر الصادق من المدعي فالكلمات يسهل قولها، أما الوقوف مع الناس حين تضيق بهم السبل فذلك مقام لا يثبته إلا من ثبته الله. وقد قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، فجعل العطاء في أوقات الشدة علامة من علامات أهل الإحسان.

_غير أن طريق الخير محفوف دائمًا بالابتلاء؛ فحين تتحرك أعمال النفع وتصل آثارها إلى الناس، تتحرك في المقابل قلوب امتلأت بالحسد وسوء الظن. وقد نبه القرآن إلى هذا الداء القديم فقال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
لأن الحسد في حقيقته اعتراض على فضل الله قبل أن يكون خصومة مع عباده.

_ومن هنا بدأت محاولات اغتيال الشخصية بالكلمة الموجهة والخبث، والشائعة المصنوعة، وتحريك الميديا، والسب والشتم، واتهام المقاصد، وتبخيس الجهود. وهي وسائل قديمة تتكرر كلما عجز البعض عن منافسة الفعل، فيلجأ إلى تشويه الفاعل. وقد حذر النبي ﷺ من هذا المسلك فقال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) .

وليس هذا الأمر جديدًا؛ فأول خطيئة عُرفت في الوجود كانت بدافع الحسد، حين حسد إبليس أبانا آدم عليه السلام فاستكبر واعترض، فكان الحسد سبب السقوط الأول، ولا يزال إلى اليوم وقودًا لكثير من الفتن وتمزيق الصفوف. ولهذا قال أهل الحكمة إن النجاح يوقظ النائمين، لكنه يزعج الحاسدين.

وما يؤلم حقًا ليس النقد الصادق، فالنصح باب إصلاح، وإنما الظلم حين تُقلب الحقائق، ويُجعل المعروف منكرًا، والعمل الإنساني موضع ريبة. ومع ذلك فإن المؤمن يتعلم من كتاب الله أن طريق الإصلاح لا يخلو من الأذى، فقد قيل للأنبياء ما هو أشد، وصبروا حتى جاء نصر الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.

إن حملات التشويه قد تصنع ضجيجًا، لكنها لا تصنع حقيقة، لأن الحق لا يحتاج إلى صراخ ليبقى، بل يحتاج إلى صدق ليستمر. وما كان لله ينمو ولو حورب، وما كان لغير الله يذبل ولو رُوج له، وقد قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

ولذلك سنمضي بإذن الله في طريق الخدمة والإصلاح، لا توقفنا إساءة، ولا تُشغلنا معركة جانبية عن واجبنا الأكبر، لأن أعظم رد على التشويه هو استمرار العطاء، وأصدق دفاع عن النفس هو نفع الناس. فنحن نؤمن أن الأيام كفيلة بتمييز الصادق من المدعي، وأن الله لا يضيع عملًا أُريد به وجهه، وأن العبرة ليست بكثرة ما يُقال، بل بما يبقى أثره في حياة الناس.

قال العرب قديمآ
(اصبر على كيدِ الحسودِ فان صبرُك قاتله..
فالنارُ تأكلُ نفسَها إن لم تجدْ ما تأكلُه)
ولنا في المسيد بقية✒️

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى