
_ طريق الإصلاح لم يكن يومآ سهلآ فسنة الحياة أن يشتد الابتلاء كلما عظُم العمل، وأن يُمتحن العمل بلاذى المصحوب بصبر..ومن تأمل سيرة الأنبياء علم أن الأذى لم يكن عائقًا في طريقهم، بل كان جزءًا من الطريق .
_لقد لازم التطاول ابن دم منذ القدم، حتى تجاوز الحد مع ربه سبحانه، فجعل له الأنداد، ونسب إليه ما لا يليق بجلاله، قال تعالى:
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا )
واستمر الأذى مع أنبياء الله جميعًا، فلم يسلم رسول من التكذيب والسخرية والاتهام، حتى خاطب الله خاتمهم وإمامهم سيدنا محمد ﷺ بقوله:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾
فكان الصبر على الأذى خُطوات سار عليها الأنبياء، ومنهجًا ثابتًا لأشرف الخلق محمد ﷺ، إذ لم يكن الصبر عندهم ضعفًا، بل ثباتًا ويقينًا بوعد الله.
أما نحن، فقد خضنا امتحانًا عسيرًا في بلادنا، والموت نصب الأعين، ولم نعتبر بما حدث في دول الجوار من حروب وسلب ونهب وقتل وتشريد ونزوح. وكان أمامي ومن معي طريقان
طريق سهل مريح، وهو الخروج والارتياح في افضل البلاد،
وطريق صعب، وهو البقاء والصبر.
أما الأصعب من ذلك كله، فهو البقاء لخدمة الجالسين في بيئة تكاد تكون مستحيلة.
وقد اخترت الطريق الأصعب؛ البقاء وخدمة الغلابة والمحتاجين، امتثالًا لقول الله تعالى:
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)
ويقينآ في قوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
فبفضل الله قدمت ما استطيع تقديمه، ولم يكن التراجع خيارًا، ولن يكون بإذن الله.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مدعاةً للدهشة؛ اتهامات وتجريم وشتم وأقسى أنواع القول.
وفي الاونه الاخيره قال لي أحد المسؤولين
(يا شيخ الأمين، ما تتعرض له يُسمى اغتيال شخصية، فاصبر)
وفي تلك اللحظة تذكرت توجيه النبي ﷺ الذي يرسخ قيمة الوفاء ورد الجميل التي افتقدناها، حيث قال:
(مَن صُنِعَ إليكم معروفٌ فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)
غير أن سنة الحياة أن المعروف لا يُقابل دائمًا بالشكر، فقد أوذي سيد البشرية ﷺ نفسه؛ وضرب يوم أُحد حتى كسرت رباعيته، وسال الدم من وجهه الشريف، وأُدميت قدماه في الطائف، واتهم بالسحر والكذب والجنون، وتحول اسمه الشريف الئ مزمم ومع ذلك اخذ العفو واعرض عن الجاهلين و قال:
(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)
وهذه ضريبة كل عمل صادق، وثمن يدفعه من اكرمه الله بخدمة عبادة ، فلا يزيده الأذى إلا ثباتًا وإقبالًا على الخير.
والحمد لله، فقد استمرت التكية حتى اليوم لألف وسبعة وأربعين يومًا متواصلة دون مساعدات خارجية، ونحن صابرين محتسبين، وما تجدُد الأذى إلا دليل على اخلاص العمل لوجه الله فلو كان لأجل الناس لتوقف عند أول عاصفة، لكنه ما دام لله رب الناس فلا يضره قول قائل، لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل
_يبقى الصبر هو الدليل الحقيقي لصدق المقاصد؛ فالكلمات تزول، والاتهامات تخبو، أما العمل الخالص فيبقى أثره شاهدًا لا ينطفئ ومن جعل غايته رضا الله، لم تُثنه قسوة الطريق، بل زاده الابتلاء يقينًا بأن العاقبة للصابرين، وأن الخير الذي يُزرع بإخلاص لا بد أن يُثمر ولو بعد حين.
ولنا في المسير بقية…




