
في هذا الحوار الاستثنائي، نفتح الملفات الشائكة فوق طاولة الدبلوماسية السودانية مع واحد من أبرز خبراء العلاقات الدولية، السفير الدكتور معاوية البخاري .الدبلوماسي والنائب السابق لرئيس بعثة السودان في نيويورك والأكاديمي المعروف… يأتي هذا اللقاء في توقيت مفصلي يتسارع فيه إيقاع التدويل الشامل، وتتشابك فيه خيوط المؤامرات الإقليمية مع المساعي الأممية…. البخاري وضع عبر احاباته علي اسئلة العودة النقاط على الحروف حول الموقف الأمريكي المتردد، وحلل ببراعة هندسة السردية الدولية التي تسعى لمساواة الدولة بالتمرد، مقدماً رؤية استراتيجية واضحة حول كيفية انتزاع المبادرة من مخالب التدويل والوصاية، والحفاظ على هيبة القرار الوطني المستقل…. الي مضابط الحوار…
■ سعادة السفير، كيف تقرأ التحولات الأخيرة في لغة الإدارة الأمريكية تجاه الأزمة السودانية، وهل تعتقد أن واشنطن باتت تدرك فعلياً حجم التدخل الخارجي وتأثيره في إطالة أمد الحرب؟
= نلاحظ انتقالاً تدريجياً في الخطاب الأمريكي من وصف ما يجري بـ “الاقتتال الداخلي” إلى الإقرار الضمني بوجود فاعلين خارجيين مؤثرين. واشنطن باتت تدرك أن استمرار الحرب مرتبط بشبكات دعم عابرة للحدود وتدفقات للمرتزقة، لكنها لا تزال تراوغ في تسمية الأطراف مباشرة للحفاظ على توازناتها الإقليمية المعقدة، رغم أن توسيع نطاق عقوباتها الأخير يمثل رسالة سياسية بأن الكلفة قد ترتفع مستقبلاً إذا استمر هذا العبث.
■ انطلاقاً من خبرتكم في نيويورك، كيف تصف استراتيجية “هندسة السردية” التي يتبعها المجتمع الدولي حالياً لنزع الشرعية عن مؤسسات الدولة السودانية ومساواتها بالمليشيا؟
= ما يحدث هو عملية صياغة متعمدة لوضع الدولة ومؤسساتها الشرعية في كفة واحدة مع المليشيا المتمردة من حيث المسؤولية الجنائية والأخلاقية. هذه المقاربة تُستخدم لتعميم خطاب يمهد لتدخلات دولية مستقبلية تحت ذريعة “الإدارة الدولية للأزمات”، وهو نهج استعماري حديث أثبت فشله في المنطقة، ولن يصمد أمام تماسك الإرادة الوطنية السودانية المحكمة والالتفاف الشعبي حول مؤسسات الدولة.
■ هل ترى أن لقاءات مستشار رئيس مجلس السيادة أمجد فريد في “الكابيتول هيل” نجحت في إحداث اختراق حقيقي داخل الكونغرس بشأن ملف دعم الإمارات للمليشيا؟
= هذه اللقاءات أحدثت وعياً نسبياً وتغييراً في “المزاج العام” داخل دوائر معينة بالكونغرس، لاسيما بين الأعضاء المهتمين بالرقابة على السلاح وحقوق الإنسان. هي خطوة هامة في المسار الصحيح لكسر حالة الصمت، لكنها لم تتحول بعد إلى كتلة ضغط تشريعية صلبة قادرة على إجبار الإدارة الأمريكية على اتخاذ قرارات راديكالية ضد شركائها في الإقليم وتعديل بوصلة سياستها الخارجية.
■ ما هو تقييمكم لفرص تمرير قانون “النهوض بالسودان” وقدرته الفعلية على تقييد مبيعات الأسلحة للإمارات كأداة ضغط لوقف دعمها لمليشيا الدعم السريع؟
= الفرص قائمة لكنها تصطدم بجدار المصالح الاستراتيجية الواسعة والارتباطات العسكرية بين واشنطن وأبوظبي. ومع ذلك، يظل طرح القانون في حد ذاته أداة ضغط إعلامي وسياسي قوية ترفع من “كلفة السمعة” للدعم العسكري غير المباشر، وتؤكد أن ملف المحاسبة سيظل مفتوحاً أمام المشرع الأمريكي، مما قد يدفع الأطراف الداعمة للمتمردين لمراجعة حساباتها خشية العقوبات.
■ كيف تنظر الدبلوماسية الأمريكية لسياسة “التجويع” التي تنتهجها المليشيا، وهل يمكن أن تتحول هذه القضية إلى مدخل لفرض “وصاية إنسانية” أو مناطق حظر طيران؟
= استخدام الغذاء كأداة حرب يثير قلقاً بالغاً في واشنطن ويُستخدم كـ “كرت ضغط” أخلاقي. تاريخياً، مثل هذه الحالات تُمثل المدخل التقليدي للتلويح بالممرات الآمنة أو حتى مناطق حظر الطيران لفرض أمر واقع. لكن تنفيذ ذلك عملياً يظل مرهوناً بتوافق دولي عسير داخل مجلس الأمن في ظل الاستقطاب الحاد الحالي، وصراع الإرادات بين القوى الكبرى.
■ صرّح “مسعد بولس” برغبة الرئيس ترامب في إنهاء الحرب فوراً؛ فهل يملك ترامب أدوات ضغط تختلف عن إدارة بايدن لإجبار القوى الإقليمية الداعمة للمتمردين على التراجع؟
= ترامب، حال عودته، سيعتمد غالباً على أسلوب الصفقات الكبرى والضغط المباشر غير المقيد بالبروتوكولات المؤسسية. أدواته ستكون أكثر براغماتية وحِدّة، بما في ذلك استخدام “المقايضات السياسية” والعقوبات الاقتصادية المباشرة لإجبار الحلفاء الإقليميين على الانصياع لرؤيته لإنهاء الأزمات، وهو نهج يختلف جذرياً عن دبلوماسية “النفس الطويل” التي تنتهجها الإدارة الحالية.
■ هل تعتقد أن الإدارة الأمريكية الحالية قادرة على ممارسة ضغوط جادة على أبوظبي، أم أن المصالح الاستراتيجية بين واشنطن والإمارات ستظل تشكل عائقاً أمام أي موقف حاسم؟
= العلاقة بين الطرفين تشكل قيداً حقيقياً يمنع أي مواجهة علنية شاملة. واشنطن قد تمارس ضغوطاً تكتيكية “خلف الأبواب المغلقة” لخفض وتيرة التصعيد الإقليمي، لكنها لن تضحي بتحالفها الخليجي الراسخ من أجل حسم الملف السوداني، مما يجعل ضغوطها الحالية محدودة السقف وتهدف لاحتواء الأزمة بدلاً من حل جذورها بوضوح.
■ كيف تفسر سعي بعض القوى الدولية لسحب ملف الإغاثة من السلطات الوطنية السودانية وتسليمه لآليات “عابرة للحدود”، وما هي المخاطر السيادية المترتبة على ذلك؟
= هذا توجه خطير يسعى لضرب شرعية الدولة وتصويرها ككيان عاجز عن إدارة الملف الإنساني. “الإدارة عبر الحدود” تعني ببساطة تجاوز السيادة الوطنية، وقد تتحول من إجراء “اضطراري” إلى واقع مؤسسي دائم ينتقص من هيبة الدولة، ويفتح الباب لتدخلات سياسية مغلفة بالعمل الإنساني، وهو ما ترفضه الدولة السودانية التي تتمسك بكونها البوابة الوحيدة لخدمة شعبها.
■ شاركت قوى مدنية في “مؤتمر برلين” وغابت عنه الحكومة؛ فهل يمثل هذا المؤتمر محاولة دولية لخلق “شرعية بديلة” أو جسم موازٍ لمؤسسات الدولة السودانية؟
= المؤتمر كان بمثابة “بالون اختبار” لبدائل سياسية ومحاولة لخلق كيانات موازية بعيداً عن الإطار الحكومي الرسمي. هو توجه شرير يهدف لتوسيع الاعتراف بفاعلين غير حكوميين ومنحهم منصة دولية للمساومة، لكن هذه المحاولات ستتحطم أمام صخرة الوعي الوطني، فالدولة السودانية ليست مجرد رقم يمكن استبداله في معادلات القوى الدولية.
■ مبعوث “إيقاد” وصف نداء برلين بالخطوة المتقدمة، فكيف تقرأ هذا التناقض بين الترحيب الإقليمي والرفض الرسمي السوداني لمخرجات المؤتمر؟
= هذا يعكس بوضوح تباين الأجندات؛ منظمة “إيقاد” تبحث عن أي مسار تفاوضي سريع يمنحها دوراً إقليمياً حتى لو كان ذلك على حساب الثوابت السيادية السودانية. الترحيب الإقليمي يمثل منطق “الاستقرار الهش”، بينما الرفض السوداني ينطلق من منطق “السيادة والشرعية”، وهو صراع إرادات سيحدد مستقبل العلاقة مع هذه المنظمات.
■ ما وراء تركيز المنظمات الدولية على إدانة أحداث بعينها وتجاهل مجازر الجزيرة والفاشر؟ وهل يمهد هذا “العمى الانتقائي” لتفعيل مبدأ “مسؤولية الحماية”؟
= هذه الانتقائية مقصودة وتخدم بناء “ملف قانوني” متحيز يتم تسويقه تدريجياً لتبرير التدخل تحت ستار “مسؤولية الحماية”. التركيز على أحداث دون غيرها يهدف لتشكيل رأي عام دولي موجه ضد الدولة ومؤسساتها العسكرية، ولكن أجهزة الدولة واعية تماماً لهذا المخطط وتعمل على كشف تزييف هذه المنظمات بالحقائق الموثقة.
■ حذر البعض من سيناريو “المقايضة الخانقة” (الموارد مقابل الغذاء)؛ فإلى أي مدى يقترب السودان من مواجهة قرارات دولية تحاصر صادراته من الذهب والصمغ العربي؟
= السودان ليس بعيداً عن هذا السيناريو الماكر الذي يهدف لخنق الدولة اقتصادياً. تزايد الضغوط الدولية لفرض قيود على الصادرات الاستراتيجية هو “سلاح تجويع” سياسي لإجبار الحكومة على تقديم تنازلات تمس السيادة. مواجهة هذا الحصار تتطلب إدارة اقتصادية مرنة وبناء تحالفات بديلة مع قوى دولية لا تستخدم الغذاء كوسيلة للابتزاز السياسي.
■ هل تعتقد أن فتح جبهة جديدة للنزاع عبر الحدود الإثيوبية هو نتاج لفشل الدبلوماسية الإقليمية أم مخطط مدروس لتطويق الدولة السودانية؟
= الاحتمالان يتغذيان على بعضهما؛ ففشل الآليات الإقليمية في الاحتواء فتح ثغرات استغلها المخططون الدوليون لتوسيع نطاق الضغط الجغرافي وتشتيت جهود الدولة السودانية. الهدف النهائي هو “تطويق المركز” وإرباك قدرة الحكومة على السيطرة، مما يتطلب يقظة أمنية ودبلوماسية استثنائية للتعامل مع هذا المحيط الإقليمي المضطرب.
■ كيف يمكن للدبلوماسية السودانية التصدي لحملات التضليل التي تحاول ربط الحكومة بجهات أيديولوجية لثني واشنطن عن دعم مؤسسات الدولة الشرعية؟
= الحل يكمن في “دبلوماسية الهجوم” القائمة على الشفافية المطلقة وتقديم روايات موثقة بالأدلة الدامغة لمراكز القرار العالمي. يجب بناء تحالفات ذكية داخل واشنطن وتوظيف “جماعات الضغط” لشرح حقيقة الصراع، وعدم الاكتفاء بردود الأفعال الإعلامية التقليدية التي لم تعد كافية لمواجهة ماكينة التضليل الضخمة التي تديرها أطراف إقليمية.
■ أعلن مبعوث “إيقاد” عن لقاء الشهر المقبل للقوى التي لم تشارك في برلين؛ فهل هذه محاولة لتصحيح “انتقائية برلين” أم هي مجرد توزيع أدوار بين المجموعة الخماسية والرباعية؟
= هي محاولة لامتصاص الغضب والانتقادات التي طالت مؤتمر برلين، لكنها في العمق جزء من عملية “توزيع الأدوار” الدولية لإدارة الأزمة السودانية عبر مسارات متعددة. الهدف هو استمرار الزخم الدولي حول حلول مفروضة من الخارج، وهو ما يتطلب من السودان التعامل مع هذه اللقاءات بحذر شديد يضمن عدم المساس بالثوابت الوطنية.
■ ذكر منسق دارفور أن غياب الحكومة عن برلين هو “ضياع للوقت”، فكيف يمكن للسودان فرض وجوده في المبادرات الدولية القادمة دون تقديم تنازلات تمس السيادة؟
= السودان يفرض وجوده عبر الانتقال من سياسة “الرفض الصامت” إلى سياسة “المبادرة الفاعلة”. تقديم رؤى وطنية عملية للحل وخارطة طريق واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية هو ما يقطع الطريق على الحلول الجاهزة. الانخراط في المبادرات الدولية يجب أن يكون مشروطاً باحترام مؤسسات الدولة والاعتراف بشرعيتها الكاملة كطرف أصيل.
■ في ظل الاستقطاب الدولي الحالي، هل ترى أن السودان قادر على استخدام ورقة “أمن البحر الأحمر” و”مكافحة الهجرة” لتحويل الضغط الدولي إلى تنسيق مصلحي؟
= السودان يمتلك أوراقاً جيوسياسية ثقيلة جداً. ملف أمن البحر الأحمر واستقرار الملاحة الدولية، إضافة لملف مكافحة الهجرة غير الشرعية، تمثل أولويات أمنية قصوى لأوروبا وواشنطن. يمكن تحويل هذه الأوراق إلى أدوات تفاوض قوية تجبر القوى الدولية على التعامل مع الدولة السودانية كشريك أمني لا غنى عنه، وليس كطرف يمكن تجاوزه.
■ ما هو “البديل العملي” الذي يجب أن تقدمه الخرطوم لكسر احتكار المنظمات الدولية للمعلومة الإنسانية وتقديم تقارير مهنية باللغات الحية للعالم؟
= المخرج هو إنشاء “آلية وطنية مستقلة” ذات مصداقية عالية لإدارة البيانات الإنسانية، تضم خبراء وطنيين وتعمل وفق أرقى المعايير الدولية. هذه الآلية يجب أن تنشر تقاريرها بمختلف اللغات الحية لمخاطبة الرأي العام العالمي مباشرة، مما سيكسر احتكار المنظمات الأجنبية للمعلومة ويصحح السرديات المغلوطة حول الوضع الإنساني.
■ بصفتك خبيراً دبلوماسياً، ونائبا سابقا لرئيس بعثتنا هناك.. ماالنصيحة التي تقدمونها لبعثة السودان في نيويورك لمواجهة تقارير “بعثة تقصي الحقائق” التي تُستخدم الآن كـ “حلقة أدلة” ضد الدولة؟
= النصيحة هي التركيز على “تفكيك المنهجية” التي بُنيت عليها تلك التقارير وكشف انحيازاتها القانونية بدلاً من الاكتفاء برفض النتائج. يجب تقديم أدلة مضادة موثقة بالصور والشهادات الحية، والانخراط بفعالية في الدوائر القانونية والإعلامية الدولية لتعرية الأجندات التي تقف خلف هذه اللجان، وتحويل الدفاع إلى هجوم قانوني مدعم بالحقائق.
■ اخيرا، هل برلين هي المحطة قبل الأخيرة في قطار “التدويل الشامل” للملف السوداني ، أم أن هناك فرصة لاستعادة زمام المبادرة عبر “عمل تكاملي” يجمع بين الميدان والدبلوماسية؟
= برلين حلقة في مسار تصاعدي نحو التدويل، لكنها ليست النهاية المحتومة. لا تزال هناك فرصة ذهبية لاستعادة زمام المبادرة إذا نجحنا في بناء “رؤية وطنية شاملة” تزاوج بين الصمود العسكري المنضبط في الميدان والتحرك الدبلوماسي الذكي والنشط. القوة في الأرض هي التي تمنح الدبلوماسية أنياباً، والوقت الآن للعمل التكاملي الذي يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار




