
ما أروع الخرطوم وهي تعود ببطءٍ جميل،
تنهض لا بعجلة، بل بثبات الواثق،
كأنها تعرف أن المدن العظيمة لا تركض، بل تمشي مرفوعة الرأس.
الخرطوم قلب الوطن، وأمّ الحضر،
ذاكرة البيوت، ودفء الشوارع، وملامح الحياة الأولى.
هي المدينة التي إن تعبت صبرت،
وإن سقطت نهضت،
وإن غابت… عادت أجمل.
عاد شارع النيل ليصافح المارّة بحنانه القديم،
وعاد بنك السودان شامخًا كرمزٍ للسيادة والعزة،
وعادت التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى:
الخطوة الواثقة، والباب المفتوح، والضحكة التي خرجت من القلب بلا خوف.
وعاد الأمن…
عاد الأمان يمشي في الطرقات،
تطمئن به الأرواح قبل الأجساد،
وتنام به البيوت دون وجل،
ويعود به الأطفال إلى أحضان أحلامهم،
وتعود المرأة لتخطو بثقة،
ويعود الرجل ليبني وهو مطمئن أن الغد آمن.
بالأمس هبطت أول طائرة على أرض الخرطوم،
فلم تكن مجرد رحلة،
بل كانت رسالة من السماء إلى الأرض:
أن الحياة لا تُهزم،
وأن الأمل إذا تأخر… لا يموت.
هبطت الطائرة،
وهبط معها الشوق،
وعادت معها الروح،
وانفتح باب الرجاء على مصراعيه.
فُتحت الجامعات، فعاد العقل ليحلم،
ودارت المصانع، فعاد العمل قيمة،
وعاد الإنتاج عنوانًا لمرحلة جديدة،
مرحلة تُبنى فيها الأوطان بالعلم، وبالعرق، وبالإرادة الصلبة.
ما أروعكِ يا خرطوم،
وأنتِ تجمعين بين الجراح والشفاء،
بين الذاكرة والأمل،
بين الصبر والبداية.
أنتِ المدينة التي تعلّم أبناءها أن النهوض ليس معجزة،
بل إيمان عميق،
وأن الوطن قد يتعب،
لكنه لا يخون الحياة.
يا خرطوم…
عودتك ليست حدثًا،
بل وعد،
وليست مشهدًا عابرًا،
بل مستقبل يُكتب الآن.

