
في المشهد العام، تطفو أحياناً شخصيات بلا ملامح، بلا تاريخ معروف، وبلا أثر إنساني حقيقي، لكنها تعيش على الضجيج، وتتنفس من رئة الترند، وتتحرك حيثما وُجد الضوء لتقفز أمامه محاولة اقتناصه. من بين هذه الظواهر تبرز شخصية هلامية تُعرف باسم الانصرافي، أو كما وصفها شيخ الأمين بالانحرافي، توصيفاً لا يخلو من دقة لغوية ودلالة أخلاقية، إذ نحن أمام شخص مجهول، متوارٍ خلف سواد دامس، لا تُعرف هويته، ولا يُعرف له وجه أو اسم أو مشروع، سوى تكرار الحديث ذاته، وإعادة إنتاج الكلام الفارغ حتى فقد قيمته وجدواه.
الانصرافي ليس ظاهرة فكرية، ولا حالة اجتماعية عميقة، بل هو انعكاس لحالة الفراغ التي تصنعها منصات اللهاث وراء المشاهدة. حديثه بات مستهلكاً، يدور في حلقة مفرغة، يعيد نفسه بلا إضافة، ويستنسخ ذاته بلا معنى. ومع كل محاولة يائسة للظهور، يتجه نحو شخصيات راسخة ليعلق عليها، لا ليحاورها، بل ليقتات من بريقها، بحثاً عن ترند سريع يعيد له وهماً بالحضور.
وفي مقدمة هؤلاء، يضع الانصرافي نصب عينيه شيخ الأمين، ذاك الشيخ الذي كلما قصده متصيد أو متحامل، ازداد لمعانه، لا لأن الجدل يرفعه، بل لأن أفعاله تسبقه، وسيرته تحميه، وأخلاقه تفضح ضحالة من يحاولون النيل منه. شيخ الأمين ليس وليد منصات، ولا نتاج لحظة عابرة، بل هو رجل تشكّل في الناس، ومع الناس، ومن أجل الناس.
المفارقة هنا أن كل محاولة للنيل من شيخ الأمين تنقلب إلى دعاية مجانية له، وكل سهم يُرمى في اتجاهه يعود ليصيب صاحبه. الناس لا تلتف حول الصوت الأعلى، بل حول الفعل الأصدق. والفرق شاسع بين من يبني حضوره على خدمة الخلق، ومن يبنيه على استهداف الآخرين. شيخ الأمين يثبت كل يوم، لا بالكلام، بل بالفعل الطيب، أنه رجل من طينة خاصة، طينة عُجنت بالقيم، وسُقيت بالعمل، ولبست الصوفية جلباباً لا مظهراً.
الصوفية هنا ليست زياً ولا طقساً، بل سلوكاً يومياً، تواضعاً، وبذلاً، وحضوراً إنسانياً. شيخ الأمين لم يحتج يوماً إلى سواد يخفيه، ولا إلى قناع يتوارى خلفه. حضوره واضح، ومواقفه معلنة، وبابه مفتوح، ويده ممدودة. لذلك يلتف حوله الناس، لا لأنهم مأخوذون بالكاريزما، بل لأنهم يجدون فيه صدقاً نادراً في زمن الزيف.
أما الانصرافي، فسيظل أسير العتمة التي اختارها لنفسه. لا هو قادر على صناعة معنى، ولا هو قادر على مواجهة الضوء. يكرر الحديث حتى الملل، ويبحث عن خصم أكبر منه ليبدو موجوداً. لكن الوجود الحقيقي لا يُستعار، ولا يُسرق، ولا يُصنع من فراغ. الوجود يُبنى، حجراً فوق حجر، وفعلاً بعد فعل.
المشهد أوضح من أن يُلتبس. هناك من يصنعون الحياة بهدوء، وهناك من يصرخون في الفراغ. هناك من يلبسون الصوفية أخلاقاً، وهناك من يتدثرون بالسواد خوفاً من انكشاف الحقيقة. وبين هذا وذاك، يبقى وعي الناس هو الفيصل، وهو الحكم العادل الذي لا يخدع.



