
وهاتفنا يحمل صوتًا باكيًا،
والفتاة تشكو… والكلمات عرقها في الدموع يجعلها فصيحة. والبكاء تحت الألم فصاحته هي أنه شيء مثل الدموع. الدموع ليس بها حروف.
والفتاة تشكو…. ومن يعلم أنك لا ترى وجهه يقول لك ما لا يقال.
و… أستاذ… أخي يصبّ عليّ عداءً مُرًّا…. والسبب هو أنني وقعتُ عليه يومًا في وضع مخجل جدًا. ومن يومها وأنا أتلقى ما لا يُطاق.
والمتحدثة تقول نغمة صوتها إنها في العشرين… وشكواها لنا تعني أنه ليس لديها من تبكي عنده… وتقول زوايا الشكوى عندها إنها تختنق… وتختنق…
ونحن مع الزمان نعتاد على تلقّي شكاوى كثيرة ممن لا نعرفهم… وشكوى من لا نعرفهم تجعلنا نعرف أن من لا تعرفهم هم الذين يبكون بإخلاص عندك…
رجال، شيوخ ونساء وفتيات.
ونعتاد على هدهدة الباكين…
وأصحاب المواجع الأعظم هم الشيوخ الذين تنبت في نفوسهم مزارع الحنظل دون أن يستطيعوا البكاء عند أحد…
: أستاذ…
الهاتف يبدأ بها. والجملة التالية/ حتى يجد مدخلًا/ المتحدث يقول:
: أنت لا تعرفني…
والجملة هذه والنغمة التي تُقال بها تجعلنا نعرف أن رياح شكوى مؤلمة تهبّ.
والمشهد أكثره مشهد واحد يلبس ثوبًا يختلف باختلاف عالم المتحدث.
وبعد تحسّس الأرض يجد المتحدث مكانًا لقدمِه. وببطء يبدأ رسم الحال.
وكثير منهم كان نوعًا من السفن عابرة المحيطات يمشي… وزقاق الحي يهتزّ.
والمناسبات تبدأ عنده… والحلول لكل شيء تخرج من بوابة بيته الكبير. لكن
من بعد الزمن وبسمة عقيد اللولي… الرجل الضخم يجد نفسه يجلس وحيدًا في غرفته…. وشيئًا فشيئًا يزحف إلى الجلوس أمام بوابة الحوش…. يتلقى التحية العابرة لأن كل أحد متعجّل… وشيئًا فشيئًا التحية تقلّ… والرجل ينظر إلى أفواه العابرين يتسقّط تمتمة التحية… وصينية القهوة تركد. فالقهوة مع الوحدة لا طعم لها.
والرجل الذي لا يستطيع أن يشكو لأحد يتحدث إلينا في الهاتف….
والزوجة يرحمها الله… والبنت تزوجت… والأخرى تشعر بالضجر والسأم من التكرار…. تكرار أحداث كل يوم…. كل يوم… بلا معنى.
والرجل يتنهد. والصمت في الهاتف يصبح نوعًا من الكلمات… كلمات تقول… نعم، نفهم ما تقول… نشعر بما تقول… نشاركك ما تحسّ به…
……. الكثرة الغالبة من حكايات مواقع الشبكة هي حكايات / حتى ما يصنعه الخيال / هي حكايات عن تعاطف الناس….
وجملة فصيحة يطلقها أحدهم، قال:
(العبادة ليست هي ما تفعله وأنت في المسجد… العبادة هي ما تفعله وأنت خارج المسجد).
والمَرأة السودانية هي الوحيدة في العالم التي تحتضن من فقدت عزيزًا وتبكي معها بدموع حقيقية…
لا تكاد تجد شيئًا في السودان إلا وهو متفرد.
(2)
والحرب الجديدة / حرب الإعلام والكذب / تبدأ.
وحتى لا نعطي العدو ما يريد فإننا لا نرد. ونكتفي بسرد حكاية حدث هنا وحدث هناك.
وحكاية إخلاء البرهان هي:
البرهان عند انفجار الحرب كان في بيت الضيافة. والحرس الرئاسي حوله.
عند القصف يُخلى إلى فيلا أمام مقر الحرس.
ثم إخلاء كباشي إلى هناك… (كان بيته في حي المطار).
ومعًا يديران المعركة من مبنى سيطرة الحرس.
وبيت الضيافة يُدمّر. والبرهان يُخلى إلى مبنى وزارة الدفاع. وهناك يقضي الأيام الاثنتي عشرة الأولى.
ثم إخلاء إلى برج الجوية.
ثم إلى (مكان آخر!!!).
بعدها إلى قاعدة وادي سيدنا.
وكان برج اتصالات العدو يُدمّر بواسطة مدفعية اللواء المنصوري،
وليس بطائرة يقودها طيار كما أشيع.
المعلومات الهادئة نركمها تحذيرًا لمن شرع في رصف وتشوين مدفعية الكذب.
والرجل ينسى أن بطاقته في الفيس تحمل اسم وصورة خالد بن سلطان آل نهيان..




