
في هذا اللقاء الصحفي العميق، لا تتحدث د. عرفة محمود رضوان، وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية الجزيرة، من موقع المنصب، بل من موقع التجربة الإنسانية القاسية التي أعادت تعريف معنى المسؤولية العامة. هو سردٌ يخرج من قلب الحرب، ويكشف كيف يمكن للفرد، حين يتحمّل واجبه، أن يُبقي مؤسسات الدولة واقفة ولو على قدمٍ واحدة. تحكي د. عرفة قصة امرأة اختبرت الخوف، والضياع، وانقطاع المرتبات، وتشتت العاملين، لكنها اختارت أن تكون في صف الناس، لا في صف النجاة الفردية.
بين الهجرة والواجب… لحظة الاختيار الأصعب
تستعيد د. عرفة تفاصيل الأيام الأولى للحرب، حين وجدت نفسها متنقلة بين سنار، كوستي، والرنك، وهي تفكر بواقعية في خيار الهجرة. «نحن ناس دولة، ما عندنا أعمال خاصة»، تقولها بلا مواربة، وتضيف أنها كانت مستعدة للعمل مع المنظمات الدولية في مجال الأمن الغذائي، مستندة إلى خبرتها وشهاداتها. لكن شيئاً ما كان يمنعها من المغادرة: ملفات المزارعين، حقوق العاملين، ومسؤولية تركها تعني أن لا أحد سيحملها بعدها. عند تلك النقطة، حسمت أمرها: الرجوع.
مسيرة مهنية بُنيت بالجهد لا بالامتياز
تعود د. عرفة إلى جذور تجربتها، منذ تخرجها في جامعة الخرطوم في العام 1992، مروراً بهيئة البحوث الزراعية وبرامج القطن، ثم وزارة الزراعة، حيث تنقلت بين الإرشاد والبساتين والمشاتل. تؤكد أن كل ما حققته كان نتاج جهد شخصي خالص؛ درست الماجستير والدكتوراه على نفقتها، ومولت تعليمها من مشاريع صغيرة في الدواجن والأبقار. «ما في زول دعمني… لكن كنت مؤمنة بشغلي»، تقولها باعتزاز هادئ.
رفع الإنتاجية… حين يثبت العمل نفسه
تتوقف د. عرفة عند واحدة من أهم محطات تجربتها المهنية: برنامج رفع الإنتاجية الزراعية، الذي قفز بإنتاجية الفدان من 2.5 جوال إلى ما بين 15 و18 جوالاً. برنامجٌ لم ينجح في ولاية واحدة فحسب، بل امتد أثره إلى ولايات السودان كافة. هذه التجربة – كما تقول – رسّخت قناعتها بأن الإدارة العلمية والالتصاق بالمزارع هما أساس أي نهضة إنتاجية حقيقية.
الثورة والإقصاء… ثم العودة بإرادة القاعدة
تصف مرحلة ما بعد الثورة بأنها صادمة مهنياً، حيث أُبعدت قيادات تنفيذية دون مبررات واضحة. استثمرت الفراغ لإكمال الدكتوراه في 2020، لكنها لم تبتعد طويلاً؛ إذ أعادها المزارعون بضغطهم وإلحاحهم. «رجعت لأنو الناس دايراني أشتغل»، تقول، مؤكدة أن شرعية الخدمة تُستمد من القاعدة لا من القرارات الفوقية.
الحرب وإدارة المستحيل
أقسى فصول السرد هو ذاك المتعلق بالحرب. تحكي د. عرفة كيف عادت إلى مدني بعد شهر من اندلاعها، لتجد المشهد منهاراً، ثم اضطرت للمغادرة مجدداً. ومع انقطاع المرتبات وتشتت المحاسبين، لم تنتظر حلولاً مركزية. شكّلت لجنة إسفيرية، وجمعت البيانات عبر القروبات، وتواصلت مع المالية، وبحثت عن أي محاسب يمكنه العمل وسط النزوح. «كنا بندير الدولة بالموبايل»، تقول، وهي تلخص واقعاً استثنائياً.
بين سنجة وسنار… حين صارت الطرق مكاتب والدولة حقيبة يد
تروي د. عرفة أن حركتها اليومية بين سنجة وسنار لم تكن مجرد تنقّل جغرافي، بل عبوراً قاسياً في قلب معاناة إنسانية مركّبة. كانت تسافر في طرق غير آمنة، وتصل إلى مدن مثقلة بالنزوح والخوف وانقطاع الخدمات، بحثاً عن محاسبٍ واحد يمكن أن يُمسك بخيط المرتبات المقطوع. هناك، التقت محاسبين شُرّدوا من بيوتهم، بعضهم في مراكز إيواء، وآخرون بلا دخل ولا استقرار، لكنها وجدت فيهم – رغم الانكسار – استعداداً نادراً لتحمّل المسؤولية. تحكي كيف كانت تجلس معهم في مكاتب مؤقتة، وأحياناً في ساحات مفتوحة، تناقش الأرقام وتُراجع الكشوفات وسط قصص الفقد والحاجة، فيما تتحول الحقيبة التي تحملها إلى خزينة، والهاتف إلى مكتب، والطريق نفسه إلى مساحة لإدارة الدولة. وتؤكد أن تلك اللقاءات لم تكن إدارية بقدر ما كانت إنسانية، إذ اختلط فيها الحساب بالدمع، والواجب بالألم، لكن الجميع كان متفقاً على شيء واحد: ألا يسقط حق العامل مهما اشتدت الظروف.
المرتب كرامة… لا منحة
في أكثر مقاطع اللقاء تأثيراً، تتحدث د. عرفة عن فلسفتها في صرف المرتبات: «المرتب ما إحسان… ده حق». تصف كيف صُرفت المستحقات بنسبة 55% كحل عادل في ظل شح الموارد، وكيف كانت تُقسّم المبالغ يدوياً، وتتنقل بين البنوك، وتتحمّل مسؤولية التوقيع، والخوف من الشبهات، والضغط النفسي. ورغم ذلك، استمرت حتى وصل المرتب إلى آخر مستحق.
شبكة إنقاذ من داخل الخدمة
تُبرز د. عرفة الدور الإنساني للعاملين أنفسهم: محاسبون نازحون، مهندسون زراعيون، موظفون تبرعوا بوقتهم وجهدهم، ونساء ورجال عملوا تحت الشجر وفي مكاتب مؤقتة. تؤكد أن ما حدث لم يكن جهد فرد، بل روح مؤسسة رفضت الانهيار.
أخيراً
تختم د. عرفة حديثها برسالة تختصر التجربة كلها: «الدولة ما مباني… الدولة ناس». ما جرى في تلك الشهور العصيبة لم يكن مجرد إدارة أزمة، بل امتحان أخلاقي للخدمة العامة. في روايتها، يتحول المنصب إلى تكليف ثقيل، وتتحول الشجاعة إلى فعل يومي صامت، وتبقى الحقيقة الأهم: حين ينهار كل شيء، يمكن للإرادة والضمير أن يصنعا فرقاً حقيقياً.




