التقارير

إدارة الشراء والتعاقد بولاية الجزيرة اقتصاد التنمية بين حوكمة الإنفاق وإعادة بناء الدولة

الجزيرة :- تاج السر ود الخير

في مرحلة تتشابك فيها تحديات ما بعد الحرب مع شُح الموارد وارتفاع تطلعات المواطن، تصبح إدارة المال العام معياراً حاسماً لقياس قدرة الدولة على النهوض والتنمية. ومن هذا المنطلق تبرز إدارة الشراء والتعاقد بوزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة بولاية الجزيرة كإحدى أهم الأذرع الاقتصادية التنفيذية، ليس بوصفها جهة إجرائية فحسب، بل كآلية مركزية لإعادة ضبط مسار الإنفاق العام، وترشيد الموارد، وتحويل الموازنات من أرقام على الورق إلى مشروعات قائمة تخدم المواطن وتعيد الثقة في مؤسسات الدولة.

الشراء والتعاقد كقاطرة للتنمية

يؤكد د. الصادق عبدالقادر، مدير إدارة التعاقد والشراء، أن الإدارة العامة للشراء والتعاقد والأصول والتخلص من الفائض تمثل الأساس الحقيقي لعملية التنمية بالولاية، باعتبارها الجهة المنفذة لقانون الشراء والتعاقد الاتحادي لسنة 2010 ولائحته التنفيذية. ووفقًا لرؤيته، فإن أي مشروع تنموي – مهما كانت طبيعته – لا يمكن أن يرى النور ما لم يمر عبر منظومة شراء وتعاقد منضبطة، تُوازن بين الكلفة والجودة والجدوى الاقتصادية.

حوكمة السقوفات وضبط الإنفاق العام

يشرح مدير الإدارة أن النظام المالي المعمول به يعتمد على سقوفات واضحة للوزارات والمحليات، تُحدَّد سنوياً بواسطة وزير المالية باعتباره السلطة المختصة. هذه السقوفات لا تُعد قيداً إدارياً، بل أداة لحماية المال العام ومنع التوسع غير المدروس في الالتزامات. فالمشروعات التي تتجاوز السقوفات المحددة تنتقل تلقائياً إلى وزارة المالية، ثم إلى اللجنة العليا للمشتروات، بما يضمن تعدد مستويات الرقابة وتوزيع المسؤولية، وهو ما يعزز النزاهة ويقلل من مخاطر الفساد أو سوء التقدير.

اللجنة العليا للمشتروات: عقل القرار الاقتصادي

تعمل اللجنة العليا للمشتروات، برئاسة مدير الإدارة العامة للشراء والتعاقد، كجهاز اقتصادي-فني متكامل يضم المستشار القانوني، والمراجعة الداخلية، والأمن الاقتصادي، والجهات الفنية المختصة. ويشير د. الصادق إلى أن هذه اللجنة لا تنظر إلى المشروعات من زاوية التكلفة فقط، بل من حيث الجدوى الفنية، والاستدامة، ومدى توافق المشروع مع أولويات الموازنة المجازة، وهو ما يجعل قراراتها قرارات تنموية بامتياز لا مجرد إجراءات تعاقدية.

منهجية التخطيط قبل الصرف

أحد أهم الاختلالات التي عانت منها المؤسسات في السابق، بحسب مدير الإدارة، هو تكدس المشروعات دون توفر موارد حقيقية لتنفيذها. لذلك اعتمدت الإدارة منهجية صارمة تقوم على ربط أي دراسة فنية بوجود اعتماد مالي فعلي، بما يمنع إهدار الجهد والمال، ويحول دون خلق التزامات مستقبلية غير مغطاة. هذه المنهجية، وإن بدت للبعض بطيئة، إلا أنها في جوهرها تعبير عن عقل اقتصادي رشيد يضع الاستدامة فوق الاستعجال.

الشفافية والمنافسة العادلة

يؤكد التقرير أن الإعلان عن العطاءات العامة، وتأهيل المقاولين، والنشر في الصحف الرسمية، ليست إجراءات شكلية، بل أدوات اقتصادية لضمان أفضل سعر وأعلى جودة. ففتح باب المنافسة على مصراعيه يخلق سوقاً عادلة، ويُحسن كفاءة الإنفاق العام، ويحد من الاحتكار، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة المشروعات وجودتها النهائية.

إدارة الأصول والتخلص من الفائض: استرداد القيمة المهدرة

لا يتوقف دور الإدارة عند الشراء والتنفيذ، بل يمتد إلى حصر الأصول الثابتة والمتحركة وتقييمها. ويرى د. الصادق أن إدارة الأصول تمثل ثروة كامنة للولاية، يمكن توظيفها كضمانات تمويلية أو إعادة تدويرها عبر الإحلال والإبدال أو المزادات، بما يمنع تراكم الأصول المعطلة ويحافظ على المال العام. وفي ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، برز هذا الدور كأحد مفاتيح التعافي الاقتصادي.

جبر الضرر واستئناف المشروعات المتعثرة

في مرحلة ما بعد الحرب، واجهت الولاية مشروعات متوقفة وأسعاراً متقادمة. وهنا لعبت لجان جبر الضرر دوراً اقتصادياً محورياً في تحديث الأسعار، ومعالجة الإشكالات التعاقدية، وضمان استمرار المشروعات الممكنة دون الإضرار بحقوق الدولة أو المقاولين، في معادلة دقيقة تجمع بين العدالة والواقعية.

نماذج تطبيقية: من قصر الضيافة إلى نادي الجزيرة

يعرض التقرير تجربتي قصر الضيافة ونادي الجزيرة كنموذجين لإدارة معقدة نجحت في التوفيق بين الإجراءات القانونية وسرعة التنفيذ. فقد أُنجز العمل في ظروف بالغة الصعوبة، مع الحفاظ على المال العام وإبراز الإرث التاريخي للمؤسسات، وهو ما يعكس قدرة الإدارة على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة البناء.

الشراء والتعاقد بعد الحرب: 80% من الموازنة في الميزان

يشير مدير الإدارة إلى أن نحو 80% من الموازنة تمر عبر قنوات الشراء والتعاقد، ما يجعل هذه الإدارة خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الولائي. وخلال فترة ما بعد الحرب، أسهمت الإدارة في دعم قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والطاقة الشمسية، وتوفير المتحركات والأجهزة، بما أعاد تشغيل عجلة الخدمات الأساسية.

أخيراً

يخلص هذا التقرير إلى أن الإدارة العامة للشراء والتعاقد والاصول والتخلص من الفائض بولاية الجزيرة لم تعد مجرد وحدة تنفيذية، بل تحولت إلى مؤسسة اقتصادية ذات رؤية، تمارس دوراً محورياً في إعادة بناء الدولة من بوابة المال العام. فبين حوكمة السقوفات، وشفافية العطاءات، وإدارة الأصول، وجبر الضرر، تتشكل منظومة متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الإنفاق والتنمية. وفي زمن الندرة والتحديات، تثبت التجربة أن حسن الإدارة لا يقل أهمية عن توفر الموارد، وأن طريق التعافي الاقتصادي يبدأ من قرار شراء رشيد، وتعاقد عادل، ورؤية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى