مقالات

أبو فاطمة عمار حسن يكتب :من راعي إبل إلى مركز نفوذ: قراءة في تجربة حميدتي وأزمة الدولة

قلّ أن يشهد التاريخ السياسي في القارة الأفريقية صعودًا دراميًا كما حدث مع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي. فقد بدأ مسيرته في إقليم دارفور ضمن قبيلة الرزيقات ذات الامتداد القبلي بين السودان وتشاد ونشأ في بيئة رعوية يغلب عليها الطابع القبلي والصراعات المحلية في وقت كان الإقليم يموج بالتمرد والانقسامات المسلحة.

في خضم هذا الواقع المضطرب برز حميدتي كشخصية قادرة على حشد المقاتلين وجلب عناصر مرتزقة من مناطق حدودية مجاورة لمواجهة الحركات المتمردة. ومع تصاعد العمليات العسكرية أصبح له شأن معتبر لدى حكومة الإنقاذ الوطني التي رأت فيه أداة حسم سريعة في مواجهة التمرد الدارفوري. وهكذا انتقل من العمل الرعوي والتجاري إلى موقع عسكري مؤثر رغم أنه لم يمر بالتأهيل الأكاديمي العسكري المعروف داخل المؤسسات النظامية.

غير أن التحول الأخطر لم يكن في صعوده الميداني فحسب بل في تقنين وضعه العسكري بإنشاء كيان منظم عُرف باسم قوات الدعم السريع مُنح شرعية قانونية وسُلّح بأسلحة حديثة ومركبات قتالية وأُعطي مساحة واسعة للحركة المستقلة. ومع مرور الوقت أصبح هذا الكيان قوة عسكرية قائمة بذاتها تشارك في معظم العمليات الكبرى حتى بدت في بعض المراحل وكأنها العمود الفقري للقوة البرية في الدولة.

هنا تكمن الإشكالية الجوهرية: عندما تعتمد الدولة على قوة موازية لمعالجة التمرد فإنها تُضعف ولو ضمنيًا مؤسستها العسكرية الأصلية. ومنح رتبة “فريق” لشخص لم يمر بالتدرج الأكاديمي والعسكري التقليدي يشكل ضربة مباشرة للنظام المؤسسي لأن الرتب العليا في الجيوش ليست ألقابًا سياسية بل حصيلة تراكم مهني طويل يضمن الانضباط والتوازن داخل المؤسسة.

لقد حقق حميدتي نجاحات آنية في مواجهة الحركات المسلحة غير أن هذا النجاح المؤقت حمل في داخله بذور الخطر. إذ تضخم النفوذ واتسعت دائرة التأثير السياسي والاقتصادي وأصبح فاعلًا مركزيًا في المشهد الوطني ثم تعزز حضوره بعد سقوط النظام ليغدو في موقع متقدم في موازين القوة يستقبل الوفود ويعقد اللقاءات ويتحرك إقليميًا باسم قوة عسكرية ذات استقلال نسبي.

إن وجود قوتين مسلحتين داخل دولة واحدة لكل منهما قيادتها ونفوذها يجعل الصدام مسألة وقت لا أكثر. فالدولة لا تستقيم بقرارين ولا تستقر بسلاحين. وحين تتضارب المصالح يكون الاحتمال الأكبر هو المواجهة ويدفع المواطن الثمن الأكبر. فصراع القادة تتحمله الشعوب وأخطاء السياسيين تسددها المجتمعات من أمنها واستقرارها واقتصادها.

تجربة حميدتي ليست مجرد قصة صعود فردي استثنائي بل درس عميق في علم الدولة:
لا يمكن محاربة تمرد بتمرد آخر ولا بناء استقرار دائم بقوة موازية.
الدولة الرشيدة تقوم على احتكار مشروع للسلاح وتسلسل مؤسسي واضح وجيش مهني واحد لا ينازعه أحد في صلاحياته.

وحين يُضرب النظام المؤسسي في مقتل فإن الخطر لا يظهر فورًا لكنه يتراكم حتى يصل إلى لحظة الانفجار. تلك سنة الدول عبر التاريخ: إما مؤسسات راسخة أو صراعات مفتوحة.

✍️ أبو فاطمة عمار حسن 💫💫
الاربعاء 25 فبراير 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى